السيد حيدر الآملي
292
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
القوى التابعة له في معارضة العقل في أشخاص الكفار والفاسقين عن أوامر اللَّه سبحانه ، وقد عرفت أنّ الوهم رئيس القوى البدنيّة فهي إذن عند معارضته للعقل ومتابعتها له جنود إبليس وقبيله . وأمّا قوله : « اعترته الحميّة ، وغلبت عليه الشّقوة ، وتعزّز بخلقة النّار واستوهن خلق الصلصال » . فقالوا : إنّ المراد بكون إبليس وقبيله ( جنوده ) خلقوا من نار ، أنّ الأرواح الحاملة لهذه القوى كما عرفت أجسام لطيفة تتكوّن عن لطافة الأخلاط وهي حارّة جدّا ( حدّا ) مائلة إلى ( في ) الإفراط ، والنّاريّة والهوائيّة عليها أغلب وتولَّدها عنهما أسهل وهي آخر أجزاء البدن ، وكذلك القلب الَّذي هو منبعها فكانت تلك الأرواح كالأبدان لهذه القوى ، فكذلك نسب إبليس إلى النار فقال تعالى حكاية عنه : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ [ سورة الأعراف : 12 ] . وقال : وَالْجَانَّ خَلَقْناه ُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ [ سورة الحجر : 27 ] . أي قدّرنا قبل وجوده أن تكون الناريّة والهوائيّة على وجود أغلب . وقال بعضهم أنّه لمّا كانت النّار ألطف العناصر وكانت هذه القوى وأرواحها ألطف الأمور الجسمانيّة ، وتكوّنها عن ألطف الأخلاط كانت نسبتها إلى النّار أولى من سائر العناصر لمكان المشابهة في اللطافة ، فجاز أن يطلق على أصله أنّه نار . ( في بيان سبب استكبار إبليس عن السجود ) لا يقال : إذا كان آدم هو النفس الناطقة فما معنى قول إبليس وخلقته من طين . لأنّا نقول : كما صدق أن إبليس مخلوق من نار بمعنى أنّ الغالب على الروح الحامل له هو عنصر النار كذلك يصدق أنّ آدم من طين بمعنى أنّ الغالب على بدنه الأرضيّة ، وأيضا فإنّ الوهم لا يدرك إلَّا المعاني الجزئيّة المتعلَّقة بالمحسوسات فلا يصدق حكمه ومساعدته إلَّا فيما كان محسوسا ، ولمّا ثبت أنّ النفس جوهر مجرّد لم يكن اعتقاد